النفط الذي يتصبب من عرق الجبين!! المغترب اليمني كمحرك اقتصادي وبنك موازي

كتب: محمد الجماعي - صحفي ومحلل اقتصادي مستشار وزير الصناعة والتجارة
السبت, 21 فبراير, 2026 كـ "بنك مركزي" موازي، يبرز دور المغترب اليمني في واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية التي مرت بها اليمن، كأهم "فاعل اقتصادي" غير حكومي، لا كمغترب يبحث عن رزقه، بل ليضخ الحياة في شرايين ملايين الأسر اليمنية، ويمنع الانهيار الشامل للاقتصاد الكلي. فبينما أصيبت القطاعات الإنتاجية السيادية بالشلل وتوقفت صادرات اليمن السيادية من النفط كليا (2022) والغاز (2015) تربعت تحويلات المغتربين كمصدر أول للعملة الصعبة.
تشير التقارير الاقتصادية إلى أن تحويلات المغتربين اليمنيين ساهمت في ردم "الفجوة الدولارية" بنسبة كبيرة؛ بفعل التدفقات النقدية التي تدخل الأسواق اليمنية يومياً، ولولاها لكان سعر صرف الريال أمام الدولار قد تجاوز أضعاف الأرقام الحالية بكثير. وبفضلها استطاعت الحكومة الشرعية تمويل فاتورة استيراد الغذاء والدواء لليمن من أقصاه إلى أقصاه، بالرغم من أن أكثر من نصف عائدات تلك التحويلات تذهب لمناطق سيطرة الحوثيين وبدوره ينهب الحوثي نحو ثلاثة أرباع قيمتها بسبب فرض سعر صرف قسري لا يخضع لعوامل اقتصادية بحتة.
إنَّ اعتماد أكثر من نصف سكان اليمن بشكل مباشر أو غير مباشر على تحويلات الخارج، يجعل من المغترب اليمني عموما وفي السعودية خصوصا، "شبكة ضمان اجتماعي" عابرة للحدود. هذه الأموال لا تذهب للاكتناز، بل تذهب فوراً إلى السوق المحلية (الاستهلاك)، مما يحرك الركود التجاري ويحافظ على استمرارية دوران الدورة المالية في ظل شح الدخل القومي.
كما لا يقتصر دور المغترب في المملكة على إرسال المصاريف الشهرية لأسرته، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى "مستثمر وطني" من الطراز الأول. هناك ما لا يحصى من المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مدن وأرياف اليمن مولتها سواعد المغترب اليمني، وقد يكون لافتا الدور الذي يتبناه الميسورون منهم في تبني وتغطية رواتب المعلمين في قراهم ومدراسهم، والإسهام في رصف الطرقات الجبلية، وإسناد مشاريع المياه، في المناطق التي ما تزال غير محررة، وهو أمر يدعو للسرور من جهة، وهو الأغلب الأعم، ويدعو للأسف من جهة استفادة الحوثي من هذه الخدمات المجانية والمهدئة لغضب الشارع.
المرحلة القادمة تتطلب تحويل هذه التحويلات من مجرد "أداة للاستهلاك" إلى "محرك للاستثمار"، وعلى الحكومة أن تترجم ذلك ببرنامج عملي يحرم المليشيات الحوثية أولا من الريع المباشر لتلك التحويلات، وبعد ذلك نحتاج إلى تشريعات تضمن حماية استثمارات المغتربين، وتقدم حوافز ضريبية وجمركية تشجعهم على نقل تجاربهم الناجحة في المملكة إلى الداخل اليمني، ليكونوا قاطرة البناء في مرحلة الإعمار.
لقد تحول المغترب إلى "ريادي أعمال" ينقل الخبرات التي اكتسبها في سوق العمل السعودي المتطور إلى الداخل اليمني. إننا نرى اليوم مزارع حديثة في تهامة ولحج ومشاريع تجارية في حضرموت وعدن وصنعاء، كلها مُمولة بمدخرات يمنية جاءت من الرياض وجدة والدمام.
"لقد أدركت القيادة السعودية، مبكراً وبوعي استراتيجي حكيم، أنَّ أقصر الطرق وأكثرها فعالية لدعم الشعب اليمني هي تسهيل بقاء وإنتاجية الوافد اليمني الشقيق. إنَّ قرار استثناء اليمنيين من بعض الإجراءات والقيود المنظمة لسوق العمل، لم يكن مجرد قرار إداري عابر، بل كان عملاً إغاثياً مستداماً يتجاوز في أثره كل المنح الإغاثية.
تكمن عبقرية هذا التوجه في أنه دعمٌ يذهب 'مباشرة' من يد العامل والمغترب في الرياض أو جدة إلى يد أهله في قرى ومدن اليمن، دون أن يمر عبر قنوات المليشيات أو يخضع لمقص الجبايات والنهب الممنهج الذي تمارسه تلك الجماعات على المساعدات الدولية.
هذا الإدراك السعودي خلق حالة فريدة من 'الامتنان الشعبي' في وعي ولاوعي المواطن اليمني؛ حيث يرى اليمني اليوم أنَّ المملكة لم تفتح له حدودها فحسب، بل فتحت له أبواب اقتصادها ليتمكن من إعالة نفسه ووطنه بكرامة. وقد تحول هذا الشعور، مع الوقت، إلى جدار صلب ضد الخطابات السياسية المضللة، وأرسى وعياً اقتصادياً وسياسياً يدرك أنَّ استقرار المملكة هو امتداد لاستقرار كل بيت في اليمن، وأنَّ الشراكة معها هي الخيار الوحيد للنجاة والنهوض.
بينما تقدر المؤسسات الدولية كالبنك الدولي التحويلات بـ 3.5 - 4 مليار دولار كقنوات رسمية، تشير البيانات الميدانية لوزارة المغتربين أن الرقم الحقيقي يتجاوز 7 مليارات دولار عند احتساب التحويلات العينية وغير الرسمية، مما يضاعف من حجم المسؤولية تجاه هذا القطاع.. وعندما نتحدث عن الاقتصاد الكلي، فإننا نتحدث عن "ميزان المدفوعات" تاريخياً، كانت الصادرات النفطية هي التي توفر العملة الصعبة لليمن. ولكن مع توقفها، أصبحت تحويلات المغتربين اليمنيين هي الرافد الأول، والوحيد حاليا للعملة الصعبة – محليا – بالإضافة إلى دعم المملكة للحكومة اليمنية بالودائع والمنح.
"تحويلات المغتربين" هي اللاعب الخفي الذي يمنع الريال اليمني من الوصول إلى مستويات كارثية لا يمكن السيطرة عليها. هذه التحويلات تساهم في تغطية "فاتورة الاستيراد"، فاليمن يستورد قرابة 90% من احتياجاته الأساسية (قمح، أرز، دقيق، وقود). وهو ما يقلل من الضغط على الدولة والمجتمع الدولي، ويساهم في خفض معدلات الجريمة والنزاعات الناتجة عن الفقر والبطالة، ويمثل نظام تأمين اجتماعي عابر للحدود، بل "أمن قومي" معيشي يحافظ على تماسك النسيج الاجتماعي من التمزق.
المرحلة القادمة يجب أن تتركز على إصلاحات مصرفية، وخلق فرص استثمارية تقديم حوافز وتسهيلات تشجع المغترب على التحول من "مرسل مصاريف" إلى "رائد أعمال"، وبدلا من تحمله عبء أسرته (5 – 10 أفراد حسب الدراسات والتقارير) إلى صانع فرص وأعمال.
إنَّ وجود هذا العدد الضخم من اليمنيين في سوق العمل السعودي يمثل حالة من "التكامل الاقتصادي" الأخوي، فالمملكة هي الرئة التي يتنفس منها الاقتصاد اليمني، واليمن يمثل عمقاً استراتيجياً وسوقاً حيوية للمنتجات السعودية. إنَّ استقرار وضع المغترب اليمني وتسهيل مهامه هو مصلحة مشتركة، تساهم في استقرار المنطقة ككل، وتؤسس لمرحلة إعمار اليمن التي سيكون المغترب والشركات السعودية شركاءها الأساسيين. إذ تقدر "الكتلة البشرية" النوعية العاملة في المملكة بحوالي 2.2 مليون، يشكل المنخرطون في سوق العمل منهم قرابة 1.5 مليون عامل. هذه القوة البشرية تمثل ما بين 10% إلى 12% من إجمالي العمالة الوافدة في المملكة، مما يجعل اليمني رقماً صعباً في معادلة أكبر اقتصاد إقليمي.
إن قلم المحلل الاقتصادي قد يعجز عن رصد كل قطرة عرق يبذلها المغترب اليمني في السعودية، ولكن التاريخ سيسجل أنَّ هذا الإنسان كان "البطل المجهول" في أصعب مرحلة مر بها الوطن. لقد أثبت المغترب أنه الشريان الأقوى، والقلب النابض بالوفاء.
إنَّ واجبنا اليوم، سواء في الإعلام أو في مراكز صنع القرار، هو أن نحول هذا "الاغتراب القسري" إلى "شراكة تنموية" مستدامة. فالمغترب ليس مجرد محفظة نقود، بل هو عقل وخبرة وقوة عمل، متى ما وجدت البيئة المناسبة، ستجعل من اليمن قصة نجاح اقتصادية جديدة في المنطقة.
................